الشيخ محمد هادي معرفة

373

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وعند تفسير قوله تعالى : « وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » « 1 » . نراه يبحث عن مسائل الإمامة على مذهب الشيعة الإماميّة ، واشتراطهم العصمة في إمام المسلمين ، ويذكر حججهم القاطعة في المسألة ، ثمّ يجيب عليها لا بتلك القوّة والمتانة . قال عند الكلام عن قوله تعالى : « قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » : احتجّ الروافض بهذه الآية على القدح في إمامة الشيخين ؛ حيث كانا كافرين وكانا حال كفرهما ظالمين ؛ لأنّ الشرك ظلم عظيم . فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة : أنّهما لا ينالان عهد الإمامة البتّة ، وأيضا فإنّهما لعدم عصمتهما حال الإمامة ، كانا غير صالحين لها . ثمّ حاول الإجابة على ذلك من وجهين : أحدهما : أنّ الاستدلال مُبتنٍ على كون المشتقّ حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ ، كما هو حقيقة فيمن تلبّس . وليس الأمر كذلك ؛ لأنّ المشتقّ حقيقة فيمن تلبّس باتّفاق الأُصوليّين ؛ ولا يصدق على من انقضى عنه المبدأ . والثاني : أنّ المراد بالإمامة هنا هي النبوّة ، فمن كفر باللّه طرفة عين فإنّه لا يصلح للنبوّة « 2 » . لكنّ استدلال الإماميّة لا يتوقّف على كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ ممّن تلبّس أو انقضى عنه المبدأ ، بل كما صرّح هو أيضا : إنّه في حال التلبّس يتوجّه الخطاب بعدم اللياقة . والنفي تأبيد شمل الظالم ووصمه بوصمة العار : أنّه غير صالح للإمامة أبدا . ومن ثمّ فإنّ الكافر لا يصلح للنبوّة حتّى ولو تاب وآمن ، ولا دليل عليه سوى شمول هذه الآية ، حسبما صرّح به الرازيّ نفسه . إذن فالآية صالحة لسلب الصلاحيّة أبدا عمّن كفر وأشرك باللّه طرفة عين . فمن كفر باللّه وأشرك فقد ظلم ربّه وظلم نفسه ، والظالم مسلوب الصلاحيّة أبدا ، حتّى

--> ( 1 ) - . البقرة 124 : 2 . ( 2 ) - . التفسير الكبير ، ج 4 ، ص 41 و 42 .